قال المؤلف عفا الله تعالى عنه :
المسألة الثانية العاشرة :
ذكر ما جاء في أمر الله تعالى في النهي عن القرب من الزنا ؛ وما هي مقرباته . أليس في النهي من
الاقتراب منه خشية الوقوع فيه ؛ وأن الرخصة للمضطر في نكاح المتعة أهون من الاقتراب من الزنا
والوقوع فيه .
قال الله سبحانه وتعالى :
{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) } . ( سورة الأنعام ) .
وقال الله سبحانه وتعالى :
{ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } .
( سورة الإسراء ) .
قال الحافظ القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :
قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) نَظِيرُهُ " وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ".
فَقَوْلُهُ : " مَا ظَهَرَ" نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَوَاحِشِ وَهِيَ الْمَعَاصِي ." وَما بَطَنَ " ما عقد عليه القلب
الْمُخَالَفَةِ . وَظَهَرَ وَبَطَنَ حَالَتَانِ تَسْتَوْفِيَانِ أَقْسَامَ مَا جعلت له من الأشياء .
و" ما ظَهَرَ" نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ" الْفَواحِشَ" " وَما بَطَنَ" عُطِفَ عَلَيْهِ .
( تفسير الإمام القرطبي ) .
وقال الإمام أبو داود الطيالسي رحمه الله تعالى :
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنه قَالَ : قُلْتُ :
أَنْتَ سَمِعْتَ مِنْهُ وَرَفَعَهُ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : « لَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَعَاذِيرُ مِنَ اللَّهِ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى » .
( [ مسند الإمام أبي داود الطيالسي ] ، مسند الإمام أحمد ، صحيح الإمام البخاري ، صحيح الإمام مسلم ) .
وقال الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى :
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ وَرَّادٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي
الله تعالى عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ وَاللَّهُ
أَغْيَرُ مِنِّي ، وَلِأَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
( [ مصنف الإمام ابن أبي شيبة ] ، مسند الإمام أحمد ، صحيح الإمام مسلم ، صحيح الإمام البخاري ) .
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى :
حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ أَخْبَرَنَا كَامِلٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه ، قَالَ : قِيلَ
لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا تَغَارُ " قَالَ : " وَاللهِ ، إِنِّي لَأَغَارُ ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي ، وَمِنْ غَيْرَتِهِ
نَهَى عَنِ الْفَوَاحِشِ " . ( مسند الإمام أحمد ) .
وذكره الحافظ الهيثمي رحمه الله تعالى وقال :
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَفِيهِ كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ ، وَفِيهِ كَلَامٌ لَا يَضُرُّ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ .
( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ) .
وقال الله سبحانه وتعالى :
{ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } .
( سورة الإسراء ) .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره :
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ عَنِ الزِّنَا وَعَنْ مُقَارَبَتِهِ ، وَهُوَ مُخَالَطَةُ أَسْبَابِهِ وَدَوَاعِيهِ { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ
كَانَ فَاحِشَةً } أَيْ : ذَنْبًا عَظِيمًا { وَسَاءَ سَبِيلا } أَيْ : وَبِئْسَ طَرِيقًا وَمَسْلَكًا .
( تفسير الحافظ ابن كثير ) .
وقال الحافظ القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :
فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ) أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَقُولَ : وَلَا تَزْنُوا ، فَإِنَّ
معناه لا تدنوا من الزنى . والزنى يُمَدُّ وَيُقْصَرُ لُغَتَانِ . قَالَ الشَّاعِرُ :
كَانَتْ فَرِيضَةَ مَا تَقُولُ كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
و( سَبِيلًا ) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، التَّقْدِيرُ : وَسَاءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا . أي لأنه يؤدى إلى النار. والزنى مِنَ
الْكَبَائِرِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَفِي قُبْحِهِ لَا سِيَّمَا بِحَلِيلَةِ الْجَارِ. وَيَنْشَأُ عَنْهُ اسْتِخْدَامُ ولد الغير وَاتِّخَاذُهُ ابْنًا وَغَيْرُ
ذَلِكَ مِنَ الْمِيرَاثِ وَفَسَادِ الْأَنْسَابِ بِاخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ
مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ : لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَ بِهَا ؛ فَقَالُوا : نَعَمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وهو لا يحل له كيف يستخدمونه وهو لا يحل له .
( تفسير الإمام القرطبي ) .